تعددت مصادر المعلومات و الاتصال
التي عرفها البشر عبر التاريخ تجلت في الشائعات و الحفر على الأشجار و الأعمدة
المنصوبة في المعابد أو الميادين العامة . وكان التجار الذين ينتقلون من مكان إلى
مكان يحملون معهم الأخبار ، كما كان المنادون يتجولون في عرض البلاد و طولها لنشر
الأخبار وأعلان أوامر الحاكم (1).
ومنذ أن خلق الإنسان وهو لا يستغني
عن المعلومات لاستخدامها في شتى مجالات حياته و نشاطاته . وقد اكتسب الإنسان
المعلومات عن طريق المشاهدة و الاستماع و التخيل والتفكير و الأحلام و الوسائل
الأخرى المساعدة على ذلك . وكانت هذه المعلومات عنصرا فاعلا في تطوير الحضارة
الإنسانية و في جميع الإنجازات في فروع المعرفة المختلفة كالعلوم النظرية و
التطبيقية و العلوم الإنسانية و الفنون على مختلف أنواعها و مجالات تخصصها حيث
تتميز المعرفة البشرية يكونها حالة نماء مستمرة و أن مسيرة تطورها لا تقتصر على
أمة دون الأمم الأخرى .
وأن الإنجازات المعرفية في هذا العصر
أنما هي حصيلة لإنجازات الإنسان على مر العصور والقرون . فقد حرص الإنسان على أن
يدون إنجازاته ليرجع أليها عند الحاجة ، ولغرض تزويد الأجيال القادمة بالمعلومات
الوافية عن هذه الإنجازات .
وهكذا عرف الإنسان الكتابة والتدوين
بدافع الحاجة إلى التوثيق و التسجيل التي دعت أليها ظروف التطور الاجتماعي منذ
قيام الحضارات الإنسانية القديمة في وادي الرافدين و وادي النيل .
فقد حاول الإنسان منذ البدايات
الأولى البحث والتوصل إلى الوسيط الأكثر ملائمة لهذا الغرض حيث استخدم العديد من
المواد المختلفة الشكل و الطبيعة والتركيب . فمثلا استخدم الرقم الطينية في وادي
الرافدين و لفائف البردي في مصر والرق و الجلود في أواسط آسيا و اليونان وبعض
الأشجار في الهند والمعدن والخشب والنسيج في مراكز و أماكن أخرى من العالم . إلى أن
توصل الصينيون (في مطلع القرن الأول الميلادي) إلى صناعة الورق كوسيط للكتابة
والتوثيق ، واستخدم الصينيون الفرشاة للكتابة و التسجيل على الورق و ظلت هذه
الصناعة مقتصرة على الصين قرابة خمسة قرون ثم انتشرت إلى كوريا و اليابان ووصلت
بغداد في نهاية القرن الثامن الميلادي لتنتقل إلى المدن العربية الأخرى ، ولتصل
أسبانيا على يد العرب في حوالي (1150 م ) ، ولم تعرف أمريكا صناعة الورق آلا نهاية
القرن السابع عشر الميلادي .
و نظرا لكون الورق أقل كلفة و أكثر
ملائمة للكتابة و لكونه يتمتع بمزايا المواد الأخرى (لفائف البردي و الرق) بل
يفوقها ، فقد شاع استعماله بشكل أدى إلى انحسار استخدام تلك المواد وأخذ الورق
موضع الصدارة في هذا الاستخدام .
وقد ازدهرت صناعة الكتابة في العصر
العربي الإسلامي حيث تعمقت هذه الصناعة في القرن الهجري الأول و أصبحت بعض المدن
العربية و الإسلامية دور علم و معرفة ، وتطورت أدوات الكتابة وأوعيتها إلى أن وصلت
نضوجها في صناعة الورق في بغداد كما أشرنا سابقا . فكان ذلك سببا في نشر صناعة
الكتاب وازدياد عدد النسخ للكتاب الواحد .
وقد أهتم العرب عبر تاريخهم القديم
بحصر و تنسيق و فهرسة إنتاجهم الفكري في
مجالات التأليف كافة . و لعل أول عمل
ببليوغرافي واسع هو ما قام به أبن النديم المتوفى سنة 385هجرية (965م) في كتابه
(الفهرست) الذي جمع فيه أسماء الكتب العربية المعروفة .ثم تلاه عدد من المفهرسين
منهم طاش كبرى زادة المتوفى سنة 1561م وألف كتابه الفخم (مفتاح السعادة و مصباح
السيادة في موضوعات العلوم ) ثم مصطفى بن عبد الله المتوفى سنة 1756م مؤلف كتاب
(كشف الظنون عن أسماء الكتب و الفنون) وغيرهم كثيرون .
و يقدر المتخصصون عدد المخطوطات
العربية القديمة ب(3) ثلاثة ملايين مخطوطة منتشرة في مكتبات العالم في الشرق و
الغرب . حيث تناولتها دراسات كثيرة أعدت لها فهارس مختلفة لعل أهمها ( كتاب تاريخ
الأدب العربي ) لكارل بروكلمان ، و (كتاب تاريخ التراث العربي ) لفؤاد سركيس و (
فهارس المخطوطات العربية في العالم ) لكوركيس عواد .
وبعد اختراع ( غوتنبرغ ) للطباعة
بحروف متحركة في القرن الخامس عشر الميلادي تعزز دور الورق حيث أصبح الوسيط غير
المنافس للكتابة و التدوين و تصميم المخطوطات و نشر الكتب و تيسير التعليم داخل
المدرسة و خارجها ، كما أدى ذلك إلى تخفيض سلطان محتكري المعرفة من رجال الكنيسة و
الإقطاعيين و زيادة الإقبال على المعرفة من قبل عامة الناس . و قد رافق ذلك ازدهار
صناعة الطباعة و تطورها و ظهور دور النشر في العالم حيث انتشر الكتاب بشكله الحديث
و أصبح في متناول الكثير من طلاب المعرفة والباحثين .
وفي عصرنا الحاضر وفي ظل التقدم
العلمي و التكنولوجي و تطبيقاتها على مجالات الاتصال و المعلومات ظهرت وسائط جديدة
في حفظ المعرفة و استرجاعها مثل المصغرات الفلمية و الاسطوانات و الأفلام
والإلكترونيات .
وعلى الرغم من استخدام الإنسان
للعديد من المواد المختلفة الشكل و الطبيعة و التركيب ، ظل الكتاب من أبرز وسائل
الاتصال والأعلام والتوثيق (2) .